أحمد بن عميرة المخزومي

93

تاريخ ميورقه

بيان ما أحدثه الوالي ممّا أضرم نار الحرقة وأبرم أسباب الفرقة وعند خلاء الجو ، وجلاء أهل البدو ، ثارت أراقم « 1 » ضغنه ، وكرّ بالأبطال على نصّ أمنه ، وأمر صاحب شرطته أن يأتيه بأربعة من كبراء المصر فساقهم ، وحين حضروا عنده ضرب أعناقهم ، فطرحوا بالعراء ، ثم أخرجوا على هيئة فرطهم من الإعراء . وكان فيهم ابنا خالة ، كانا في البلد على أحسن حالة ، وخالهما أبو حفص بن شيري ذو المكانة الوجيهة ، والموطّن لنفسه الكريمة على الكريهة « 2 » ، وسيأتي ذكره في حصار الجبل ، وما كان له فيه من سداد الرأي والعمل . فأما أحدهما فجزع عند قتله ، وأما الآخر فصبر صبرا ما عهد من مثله ، وكان لا يخلو عن طهارة الحدث ، فاستقبل القبلة غير مكترث ، ودخل في صلاته وقرّ ، وضربته السّيوف حتى خرّ . وعند ذلك ضاق الرّحب ، وعظم الرّعب « 3 » ، وتعاور « 4 » جثث القتلى من الحركات الجرّ والنصب ، فضاق الذرع بالمكروه ، وفرّ إلى البادية كثير من الأعيان / 21 / والوجوه ، واجتمعوا بابن شيري فأخبروه بما نزل ، وعزّوه فيمن قتل . وقالوا هذا أمر لا يطاق ، ونحن كل يوم إلى الموت نساق ، فإن تداركنا الأمر ببقية الذّماء ، أو شك أن نخلص من هذه الغماء ، وإلّا فزرعنا حصيد ، وما منّا إلّا من هو بشرك الشر مصيد « 5 » ، وكيف لا نثقف في الرأي أحسن تثقيف ،

--> ( 1 ) ومفردها الأرقم ، وهو من الحيّات الذي فيه سواد وبياض . يقال للذكر أرقم ، ولا يقال حيّة رقماء ، ولكن رقشاء . والرّقم والرّقمة : لون الأرقم . قال رجل لعمر رضي اللّه عنه : مثلي كمثل الأرقم إن تقتله ينقم وإن تتركه يلقم . وقيل : الأرقم أخبث الحيّات وأطلبها للناس . والأرقم إذا جعلته نعتا قلت أرقش ، وإنما الأرقم اسمه . لسان العرب ، ج 12 ، ص 249 . ( 2 ) جناس ناقص بين " الكريمة والكريهة " . ( 3 ) جناس ناقص بين " الرّحب والرّعب " . ( 4 ) اعتوروا الشيء وتعوّروه وتعاوروه : تداولوه فيما بينهم . وفي الحديث : " يتعاورون على منبري أي يختلفون ويتناوبون كلما مضى واحد خلفه آخر . يقال : تعاور القوم فلانا إذا تعاونوا عليه بالضرب واحدا بعد واحد . لسان العرب ، ج 4 ، ص 618 . ( 5 ) استعارة مكنية فيها تشبيه للشر بالصائد الذي ينصب شركه للصيد .